سيد محمد طنطاوي

16

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال - تعالى - : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّه كَثِيراً . وأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وقَدْ نُهُوا عَنْه وأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ ، وأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً . أما في الربع الثاني عشر والأخير منها فقد تحدثت السورة الكريمة عن وحدة الرسالة الإلهية . وبينت أن اللَّه - تعالى - قد أوحى إلى نبيه محمد صلى اللَّه عليه وسلم كما أوحى إلى النبيين من قبله ، وأن حكمته - سبحانه - قد اقتضت أن يرسل رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّه حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ . ثم وجهت في أواخرها نداء عاما إلى الناس تأمرهم فيه بالإيمان بما جاءهم به النبي صلى اللَّه عليه وسلم . كما وجهت نداء آخر إلى أهل الكتاب تنهاهم فيه عن السير في طريق الضلالة ، وعن الأقوال الباطلة التي قالوها في شأن عيسى ، فإن عيسى كغيره من البشر من عباد اللَّه - تعالى - ، ولن يستنكف أن يكون عبدا للَّه - تعالى - : يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّه ، ولَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ، ومَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِه ويَسْتَكْبِرْ ، فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْه جَمِيعاً . وكما تحدثت السورة الكريمة في أوائلها عن بعض أحكام الأسرة ، فقد اختتمت بالحديث عن ذلك ، لكي تبين للناس أن الأسرة هي عماد المجتمع ، وهي أساسه الذي لا صلاح له إلا بصلاحها . قال - تعالى - : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ، إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَه وَلَدٌ ولَه أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ ، وهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ ، فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ ، وإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ . يُبَيِّنُ اللَّه لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ، واللَّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . هذا عرض إجمالى لبعض المقاصد السامية ، والآداب العالية ، والتشريعات الحكيمة ، والتوجيهات القويمة التي اشتملت عليها السورة الكريمة . ومن هذا العرض نرى أن سورة النساء - كما يقول بعض العلماء - : « قد عالجت أحوال المسلمين فيما يتعلق بتنظيم شؤونهم الداخلية ، عن طريق إصلاح الأسرة وإصلاح المال في ظل تشريع قوى عادل ، مبنى على مراعاة مقتضيات الطبيعة الإنسانية ، مجرد من تحكيم الأهواء والشهوات . وذلك إنما يكون إذا كان صادرا عن حكيم خبير بنزعات النفوس واتجاهاتها وميولها .